محمد أبو زهرة
3741
زهرة التفاسير
وكأنهم يقولون إن مقتضى ما أنت عليه من العقل والرشد والإدراك كان يوجب عليك ألا تنهانا عن أن نترك ما كان يعبد آباؤنا وأن تتركنا على ما ألفنا ، وألا تصادر أموالنا أو تنهانا عن طرقنا التي تدر علينا الربح الوفير والخير الكثير ، وذلك أشد ما تقع فيه النفس من فساد والعقل من الأهواء ، إذ يحسبون الدعوة إلى الخير مما لا يليق ، ويعاود نبي اللّه إرشادهم . قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ( 88 ) . بعد أن قالوا للنبي كما فهمنا ، إن ما أنت عليه من عقل ورشد يمنعك من دعوتنا إلى ترك ما عليه آباؤنا ، وإلى منع متاجرنا ، ومكاسبنا ، يقول لهم مؤكدا أمورا ثلاثة : الأمر الأول : أنه على بينة من ربه ، وإنه مبعوث لهذه الدعوة ، ولذا يقول منبها : أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وفي قوله : أَ رَأَيْتُمْ تنبيه الاستفهام فيه للتقرير وإثارة الانتباه الشديد ، وقوله : إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ( إن ) هنا مخففة من نون التوكيد ، أي أنه الأمر ، والثاني كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ أي بيان برسالتي من ربى الذي خلقني ورباني وقام على شؤون الوجود . الأمر الثاني : أن اللّه رزقه رزقا حسنا طيبا لا ظلم ولا تطفيف ولا تدليس ولا بخسا للناس بغير حق وأريد منكم رزقا ، ولكن أريده رزقا حلالا طيبا ، وفي ذلك دعوة إلى القدوة به . الأمر الثالث : إنه يطبق على نفسه ما يدعوهم إليه فيقول : وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ ، أي أن أقصد ما نهيتكم عنه وأنتم مولون ، أي إني أبتدئ بالأخذ بالنهى في الأمور التي نهيتكم فلا أنهاكم وأفعل ما أنهاكم عنه ، وذلك ليتخذوا منه قدوة طيبة ، ولا أخالفكم أي لا أقصد خلفكم إلى ما نهيتكم ،